السيد الطباطبائي

229

تفسير الميزان

قوله تعالى : " إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " " إذ " ظرف متعلق بمقدر والتقدير : أذكر إذ قال " الخ " ، أو ما يقرب منه ، وذهب بعضهم إلى أنه متعلق بقوله في الآية السابقة : " قالوا آمنا ، الخ " أي قال الحواريون : آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون في وقت قالوا فيه لعيسى : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء والمراد أنهم ما كانوا على صدق في دعواهم ، ولا على جد في إشهادهم عيسى عليه السلام على إسلامهم له . وفيه أنه مخالف لظاهر السياق ، وكيف يكون إيمانهم غير خالص ؟ وقد ذكر الله أنه هو أوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي ، وهو تعالى يمتن بذلك على عيسى ( ع ) ، عى أنه لا وجه حينئذ للاظهار في قوله : " إذ قال الحواريون ، الخ " . و " المائدة " الخوان إذا كان فيه طعام ، قال الراغب : والمائدة الطبق الذي عليه الطعام ، ويقال لكل واحدة منهما مائدة ، ويقال : ما دنى يميدني أي أطعمني ، انتهى . ومتن السؤال الذي حكى عنهم في الآية وهو قولهم : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه مما يستبعد العقل صدوره عن الحواريين وهم أصحاب المسيح وتلامذته وأخصاؤه الملازمون له المقتبسون من أنوار علومه ومعارفه المتبعون آدابه وآثاره ، والايمان بأدنى مراتبه ينبه الانسان على أن الله سبحانه على كل شئ قدير ، لا يجوز عليه العجز ولا يغلبه العجز ، فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربه على إنزال مائدة من السماء . ولذلك قرأ الكسائي من السبعة : " هل تستطيع ربك " بتاء المضارعة ونصب " ربك " على المفعولية أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربك ، فحذف الفعل الناصب للمفعول وأقيم " تستطيع " مقامه ، أو أنه مفعول لفعل محذوف فقط . وقد اختلف المفسرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أن المراد به غير ما يتبادر من ظاهره من الشك في قدرة الله سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا الجهل السخيف . وأوجه ما يمكن أن يقال هو أن الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة ووقوع الاذن كما أن الامكان والقدرة والقوة يكنى بها عن ذلك كما يقال : " لا يقدر الملك أن يصغى إلى كل ذي حاجة " بمعنى أن مصلحة الملك تمنعه من ذلك وإلا فمطلق